فقه العولمة.. دراسة إسلامية معاصرة
عرض: بشير البحراني
كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن ظاهرة (العولمة) في أبعادها المختلفة، وانقسم المهتمون بها بين مؤيد ورافض، ومتشدد ومتساهل، ومتحفظ ومنفتح. وما زال الحديث عنها ساخناً كونها تشكل محكاً مهماً من شأنه أن يؤثر على وعي الناس وحياتهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية وما شابه ذلك.
كما أن العولمة تمثل هدفاً ذاتياً تسعى
إليه كل أمة تمتلك فكراً وثقافة معينة، مع مراعاة الاختلاف في الغاية والمنهجية
والتسمية أحياناً من أمة إلى أمة ومن عصر إلى آخر.
ولأن الكلام عن ظاهرة (العولمة) صار فيه
أخذ وشد، وأدلى فيه المثقفون والباحثون والمهتمون دلوهم وفق فهمهم واجتهاداتهم
الفكرية والثقافية، فكان لا بد من طرق هذا الموضوع من ناحية دينية فقهية حتى
تتبلور المسألة من جهة شرعية معتمدة على المصادر الدينية الأصيلة.
ومن هنا يأتي هذا الكتاب (فقه العولمة..
دراسة إسلامية معاصرة) من تأليف سماحة الإمام المجاهد آية الله العظمى السيد محمد
الحسيني الشيرازي (قدس الله نفسه الزكية)، ليصب في هذا المنحى.
وليس غريباً على الإمام الشيرازي طرق
مثل هذا الموضوع، فهو العالم المعروف بتجديده الفقهي والفكري الذي تجلى في كتاباته
ونشاطاته المتنوعة، حتى لُقب بـ(المجدد)، ولعل المتصفح لموسوعة الفقه التي ألفها
الإمام الشيرازي في حوالي مائة وستين مجلداً؛ سيلحظ العديد من العناوين التجديدية
في البحث الفقهي، مثل: (فقه السياسة، فقه الاقتصاد، فقه الاجتماع، فقه علم النفس،
فقه الإدارة، فقه الإعلام، فقه القانون، فقه الأسرة، فقه المرور، فقه البيئة، فقه
الطب، فقه المستقبل)، وما الكتاب الذي بين أيدينا الآن إلا جزءاً من هذه الموسوعة
الفقهية الضخمة.
*مفهوم العولمة:
لا شك أن العولمة حظيت بالعديد من
التعريفات من قبل المثقفين والمفكرين، بعضها متباين وبعضها متداخل، وكل تعريف من
هذه التعاريف يحاول أن يعطي مفهوم العولمة بُعداً معيناً، كالبعد الاقتصادي الذي
حاولت أكثر التعاريف التركيز عليه مبينة أن معنى العولمة هو «رسملة العالم على
مستوى الصميم بعد أن تمّت رسملته على مستوى سطح النمط ومظاهره» [ص34]، أي محاولة
فرض النظام الاقتصادي الرأسمالي على مستوى دول العالم أجمع عبر استثمار قوى
الهيمنة المختلفة عند الدول الرأسمالية القوية.
أما الإمام الشيرازي فيرى «أن العولمة
بمعناها الشمولي أعم من العولمة الاقتصادية -وإن كانت ربما هي الهدف الأصلي من
عولمتهم الغربية تحصيلاً للأرباح الأكثر والأشمل- فتشمل أيضاً العولمة السياسية
والثقافية والاجتماعية وما أشبه» [ص36]، ولذلك فهو يصل للتعريف الاصطلاحي لكلمة
(العولمة) بعد تحليلها من الناحية الصرفية واللغوية، فيعرفها على أنها «إعطاء
الشيء صفة العالمية، من حيث النطاق والتطبيق» [ص32].
وهذا التعريف للعولمة يأخذ بُعداً
شمولياً، ولعله أكثر دقة في تحديده لمفهوم العولمة، فالعولمة وإن رُوجت لأهداف
اقتصادية إلا أنها تأخذ مناحي أخرى، حيث يمكن استثمارها في ترويج فكر وثقافة معينة
أو غاية سياسية محددة أو ما أشبه.
*كيف تكونت العولمة؟
يستنتج الإمام المؤلف من قوله تعالى في
سورة الحجرات: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى
وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات/13]؛
أن الإنسان بفطرته مجبول على حب العولمة والسعي إلى التعولم. وهو بهذا الاستنتاج
يريد أن يبين أن العولمة ليست بالأمر المستحدث، وإنما هي فطرية مع خلق الإنسان.
أما الدخول في قضية العولمة فكان منذ
إرسال الأنبياء أولي العزم (عليهم السلام)، وقد أخذت في التبلور والتكامل مع مجيء
الرسالة المحمدية وهي رسالة الإسلام، ويمكن الاستشهاد على ذلك بالعديد من المواقف
والأقوال التي وردت عن رسول الإسلام محمد بن عبدالله (صلى الله عليه وآله وسلم)
وهو يبشر بانتصار وانتشار الإسلام في أكثر من بقعة وذلك في طريقه لتحقيق العالمية.
والله سبحانه وتعالى يقول: {ليظهره على الدين كله} [التوبة/33 وغيرها]، ويقول: {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً ولكن أكثر الناس
لا يعلمون} [سبأ/28]، ويقول في موضع ثالث: {وما
أرسلناك إلا رحمة للعالمين} [الأنبياء/107]، فكل ذلك يدل على أن الدين
الإسلامي سيعم في العالم ويطوي غيره من الأديان تحت لوائه. كما يتجلى هذا المعنى
في العديد من الأحاديث الشريفة المروية عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله
وسلم) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام)، ومن يقرأ رسائل النبي (صلى الله عليه
وآله وسلم) إلى عدد من الشخصيات كهرقل وكسرى والنجاشي وغيرهم من الملوك يدرك أن
هدفه هو عولمة الإسلام، أي جعله عالمياً.
*نوعان من العولمة:
يفرق الإمام المؤلف بين نوعين من
العولمة؛ إحداهما العولمة الصحيحة والآخر العولمة الخاطئة، ويشير إلى أن «الإسلام
هو أول من طرح فكرة العولمة الصحيحة، وأول من أقام صلبها بنظام اقتصادي سليم، وأول
من جاء بمستلزماتها ومقوماتها، وأول من رصّ أسسها وأحكم قواعدها، وقد طبّق الرسول
الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) العولمة الصحيحة التي جاء بها الإسلام، وحقق
نظام اقتصادها السليم، وسعى لتبيينها وتحديد مسارها ومعالمها، فجعل بأمر الله
تعالى الدين واحداً، والمعبود واحداً، والكتاب واحداً، والاقتصاد واحداً، والتاريخ
واحداً، والقبلة واحدة، والسنة واحدة، والشريعة واحدة، واللغة واحدة ومشتركة بين
الجميع، مما يحقق الأسرة الواحدة والبيت الواحد» [ص46].
أما النوع الثاني من العولمة؛ وهي
العولمة الخاطئة أو المشوهة، فقد بدأت منذ صعد إلى سدة الحكم في الدولة الإسلامية
حكام غير شرعيين آلوا على أنفسهم إلا تبديل ما استطاعوا من قوانين الإسلام وشريعته
سواء عن طريق الزيادة أو النقصان، فشوهوا العولمة الإسلامية الصحيحة حتى جاء الغرب
وحنق على الإسلام لما وجد عند بنيه من عولمة خاطئة، فدعا إلى عولمة خاطئة أخرى،
وهي العولمة الغربية التي جاءت إنما بثوب جديد وبقيادة الولايات المتحدة
الأميركية. وقد خصص الإمام المؤلف فصلاً بأكمله من الكتاب لنقد هذه العولمة
(العولمة الغربية)، وقد بيّن فيه جذورها وأهدافها وأفكارها وأدواتها ونتائجها
السيئة على المجتمع الإنساني.
وتعقيباً على فكرة الإمام المؤلف نقول:
لعل هذا النوع الأخير من العولمة هو الذي حذا ببعض مثقفينا ومفكرينا إلى النظر
تجاه العولمة بنظرة سلبية جعلتهم يرفضونها رفضاً مطلقاً دون أن يتنبهوا إلى ضرورة
العودة إلى العولمة الصحيحة المتمثلة في الشرع الإسلامي الأصيل.
*العولمة وحقوق الإنسان:
إن العولمة في ثوبها الجديد تقوم على
هتك حقوق الإنسان لأنها معتمدة على لغة المصالح البحتة، وهو السبب الرئيس الذي
يدعونا إلى انتقادها بلذاعة كونها لا تبحث عن صالح البشرية واستقرارها بل صالح
أفراد ودول معينة حتى لو كان في ذلك أن يحيا ملايين البشر الآخرين تحت رزح الظلم الاقتصادي
والاجتماعي والسياسي وغير ذلك.
ولذلك فالإمام المؤلف يذهب إلى أن
الإسلام جعل «الإنسان وحقوقه، هو المركز والمحور لعولمته التي جاء بها، وذلك نظراً
لما يكون بين العولمة وحقوق الإنسان من ترابط وثيق، ومن تأثير كبير لكل واحد منهما
على الآخر، ومن توقف نجاح وفوز، بل سعادة وسيادة كل منهما على الآخر، مما جعلهما
كتوأمين لا ينفكان» [ص68].
ونحن بالفعل بحاجة ماسة إلى عولمة تقوم
على احترام حقوق الإنسان، لأنه من خلالها نستطيع أن نكسب تأييداً لفكر العولمة
وثقافتها، ولا يمكن أن يتأتى ذلك إلا من خلال العمل على عولمة قيم الإسلام ومبادئه.
*مجابهة العولمة الاقتصادية الغربية:
كعادته الإمام الشيرازي حينما يتطرق إلى
قضية أو مشكلة معينة يحاول أن يضع لها مجموعة كبيرة من الإجراءات التي من شأنها أن
تقوم بحل المشكلة وتجاوزها إلى الوضع الصحي السليم، وهو هنا يقدم عدة إجراءات
لمجابهة خطر العولمة الاقتصادية الغربية القائمة على الاستبداد والظلم والمادية،
نلخصها سريعاً دون تعليق، ومن أراد تفصيل هذه الإجراءات فليرجع إلى الكتاب.:
1- طرح أصول الاقتصاد
الإسلامي المستنبط من القرآن والسنة.
2- إيجاد مركز إسلامي
اقتصادي عالمي.
3- العمل لتعديل
السياسات النقدية والمالية المخالفة للقوانين الإسلامية.
4- دعم ما تقدمه
البلدان الإسلامية من الإصلاحات الاقتصادية في مجال التطبيق.
5- تشكيل سوق إسلامية
لرأي المال وحركته على مستوى البلدان الإسلامية.
6- العمل على ارتقاء
القدرات البشرية والإمكانات التقنية في العالم الإسلامي.
7- العمل لتحرير
المبادلات التجارية من كل القيود والمضايقات.
8- العمل على استشراف
آفاق المستقبل بالنسبة لاقتصاد الدول الإسلامية.
9- العمل من أجل
الوصول إلى الاكتفاء الذاتي الاقتصادي في العالم الإسلامي.
10- الاستفادة من
التجارب الاقتصادية العالمية في مجابهة العولمة كالتجربة الصينية.
إن (العولمة الغربية ليست قدراً
محتوماً) كما يعبّر عنها الإمام المؤلف في إحدى صفحات الكتاب [ص367]، ولذلك فبالإمكان
تفاديها أو مقاوتها.
واستكمالاً لهذه الإجراءات والخطوات
المقترحة يخصص الإمام المؤلف فصلاً كبيراً للأحكام الشرعية المتعلقة بموضوع
العولمة في أبعادها الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية. ويمثل هذا الفصل
أهم فصول الكتاب، لكونه يمثل الجانب العملي في مشروع بناء العولمة الصحيحة على
الأسس الدينية الإسلامية السليمة والبرنامج التطبيقي الوحيد الذي استنبط من الفقه
الإسلامي وذلك فيما يخص مسألة العولمة، ولا شك أن الالتزام بهذه الأحكام والمسائل
من شأنه أن يبشر بعولمة إسلامية صحيحة ونظيفة مجابهة لأي عولمة أخرى تقوم على أس
المصالح والسلبيات.
ففيما يتعلق بالعولمة الثقافية يؤكد
الإمام المؤلف على ضرورة طلب العلم أينما كان، ولزوم تأسيس المدارس والمراكز
العلمية والثقافية، وتوفير جو الحرية الثقافية، وغير ذلك.
وفيما يتعلق بالعولمة الاجتماعية؛ يجب
أن يكون المجتمع كالجسد الواحد، تسوده الأخلاق الطيبة والمعاشرة الحسنة، والمحافظة
على حقوق الآخرين، وبناء الأسرة الصالحة، وتوفير حقوق المرأة، وغير ذلك.
وفيما يتعلق بالعولمة السياسية؛ لا يجوز
الاستبداد في الحكم، بل العمل على تطبيق نظام الشورى والتعددية السياسية، وحرمة
الظلم والعنف والتجسس على المسلمين، وينبغي توفير الحقوق السياسية للإنسان، وحسن
التعامل حتى مع الأعداء والأقليات الدينية، وإلغاء الحدود الجغرافية بين البلدان
الإسلامية، وغير ذلك.
وفيما يتعلق بالعولمة الاقتصادية؛ ينبغي
نفي الفقر والحرمان، وتوفير الحرية الاقتصادية، وتقرير الملكية الشخصية، وأن يكون
بيت المال في خدمة الشعب، وحرمة الغش والاحتكار والربا، واستحباب الإقراض والكسب
والتجارة، والتعامل مع الدَّين بأخلاقية عالية، وغير ذلك الكثير.
*المنظمة العالمية الإسلامية:
يؤمن الإمام الشيرازي بأن الغرب يذوق
وبال عولمته المبنية على ثقافة وضعية غير مضبوطة أدت إلى اضطراب الإنسان الغربي
قبل الآخرين، ولذلك فالغرب ينحو باتجاه التغيير، وهذا التغيير سيكون إما نحو
الإسلام وإما نحو الإصلاح النسبي الذي من الطبيعي سيكون لصالح الإسلام.
إذا تغير الغرب تجاه الإسلام فإن في ذلك
سيكون نجاته من الاضطراب النفسي والاجتماعي الذي ابتلى به، ولذلك يقترح الإمام
الشيرازي ضرورة المساهمة في نجاة الغرب وذلك عن طريق تشكيل منظمة عالمية إسلامية
تختص بهذا الأمر، تلتزم باللاعنف وعدم محاربة الكنائس وتقدم الخدمات الإنسانية
للغربيين.
فما
أروع هذا الدين الذي يدعو إلى خلاص أمته ونجاة الآخرين في أي بقعة من بقاع الأرض،
من أجل أن يحيا الجميع في هناء وسرور واطمئنان وسلام، عبر قيم العدل والأخلاق التي
ينادي بها الدين الإسلامي الحنيف.