بسم الله الرحمن الرحيم

 

كتاب مفتوح

للدكتور عبد القادر الشيخلي

 

الفاضل/الدكتور عبد القادر الشيخلي المحترم

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

أمّا بعد، فقد توفرت لنا الفرصة للإطّلاع على مشروع الدستور الذي كنتم اقترحتموه على العراقيين بعنوان"مشروع دستور عراقي دائم"، ومن باب النصيحة التي فرضها الله تعالى على كل مسلم لأخيه المسلم، فإنّنا نستسمحكم بالتعقيب عليه ببعض الملاحظات، والتي نحن واثقون من أنّ صدركم يتّسع لها وأكثر.

حضرة الدكتور الفاضل: تُعرّفون الدستور -  في التمهيد في الصفحة الثانية من هذا المشروع - بأنّه "القانون الأساسي، أو قانون القوانين، أو أبو القوانين" و من المفترض أن يكون من البديهي والمعلوم لديكم كما هو معروف وعلى ظاهر الكفّ لدى كل مسلم أنّ القرآن الكريم والسنة المطهرة هما دستور المسلمين، لأنهما أمر الله لعباده وانهما الأساس، وهما قانون القوانين، وهما أبو القوانين، فهما مصدر القوانين بدون شك ولا خلاف، ولذلك لا يعتبر الدستور – أيّ دستور – مقبولا عند الله من ناحية شرعية إلا إذا كان هذا أساسه، أي كان القرآن الكريم والسنة المطهرة مصدره الوحيد, وهذا يعني أنّ كل مادة من مواد الدستور، وكل القوانين والأنظمة المتفرعة عنه يجب أن تكون صادرة عن الكتاب والسنة، أي مأخوذة منهما بدليل، وما لم يكن له دليل فليس له أيّ اعتبار شرعي.

وتعلمون أيضا - حضرة الدكتور -  أنّ المسلمين حين كانت تجمعهم دولة، كانت حياتهم مبنية على الحق الذي أراده الله أن يكون بين البشر أي على العقيدة الإسلامية، وكانوا يعتزون بدينهم ورسولهم، فيأخذون أفكارهم من كتاب ربّهم وسنة نبيّهم عليه وعلى آله الصلاة والسلام، ويجعلون آل البيت الأطهار والصحابة الكرام رضوان الله عليهم والتابعين والأئمة العلماء الشخصيات التي يُحتذى بها، فكان دستورهم الوحيد هو الكتاب والسنة، وكان هذا معروفا لديهم، ولم يكونوا في حاجة إلى دستور مكتوب في شكل أبواب وفصول ومواد كما هي الحال اليوم، بل كانت الأحكام الشرعية  معروفة إجمالا  لدى الجميع وبالتفصيل لدى الفقهاء والعلماء و القضاة والحكام، وكانت بمثابة العرف العام لدى الناس، وهذا هو الأصل.

وأنتم، حضرة الدكتور، كرجل قانون، حين تُمعنون النظر في الكتاب والسنة، أي في آيات القرآن الكريم ونصوص الحديث الشريف لا شكّ أنّكم  تدركون بمجرد المشاهدة والتتبع للآيات والأحاديث أنها تشكل أحكاما دستورية ومواد قانونية غاية فيما ينتهي إليه التعبير و البيان، ولا شك  يتجلى لكم ما أحاطت به من أصول وفروع، فيتبيّن لكم كيف  جاءت هذه الآيات والأحاديث أوامر ونواهي تشكل أحكاما كليّة وقواعد عامة وخطوطا عريضة تندرج ضمنها جزئيات وفروع لا حصر لها، ويتبيّن لكم في الوقت نفسه كيف جاءت في شكل تفصيلات دقيقة، محددة و مضبوطة عندما يحتاج الأمر إلى ذلك.

حضرة الدكتور الفاضل: لقد أحاطت هذه الآيات والأحاديث بجميع نواحي الحياة، في الدّنيا والآخرة، فنظمت علاقة الإنسان بخالقه وبنفسه وبغيره من بني الإنسان، وبينت أحكام العبادات والأخلاق والمطعومات والملبوسات كما بينت أحكام المعاملات والعقوبات، فعالجت بذلك النواحي الروحية كما عالجت النواحي السياسية على حد سواء ، وجاءت متكاملة ومتناسقة ومترابطة بحيث ينتظم فيها الفرد والجماعة والدولة فيما بينهم كما تنتظم فيها الدولة بغيرها من الدول. هذا النظام المتكامل ليس للبشر خيار فيه بل هو ما أراده الله جل وعلى أن يكون بين البشر وليس علينا غير السمع والطاعة (فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (المائدة:44) .  فإذا كان المسلمون اليوم في العراق أو في غيره في حاجة إلى دستور مكتوب فإنّما ليقرّب إلى الأذهان ما في الكتاب والسنة من أحكام ليس غير.

هذا ما كنا نودّ  أن يكون عليه تفكيركم حينما بادرتم برسم مشروع الدستور هذا، غير أنّكم -  حضرة الدكتور الفاضل -  قد اتّخذتم أساسا غير هذا الأساس، وقد عبّرتم على ذلك بمنتهى الوضوح حيث تقولون في الصفحة الثانية من  المقدمة "عملي هذا هو عبارة عن تصورات منطلقة من الفقه القانوني الديمقراطي..."، وتؤكدون في نفس الصفحة أنّه "لن يبرأ المواطن العراقي إلا بالديمقراطية..."، لا! بل "لن يفلح الإنسان بغير الديمقراطية..."، وأنتم تعلمون أن هذا لا يرضي إلاّ المولعين بالديمقراطية إذ تقولون في نفس الصفحة "أنا مدرك أنّ المؤمنين بالنظام الديمقراطي هم أول من سيستحسن النصوص الواردة في مشروعي هذا"، وأنتم تعنون ما تقولون، فالديمقراطية التي تتحدّثون عنها ليست الأخذ بالرأي الذي جاء به الإسلام وعبّر عنه بلفظ الشورى، وجعله في إطار الكتاب العزيز والسنة المطهرة، وعدم الخروج عنهما، والذي يلتبس فهمه على العامة وبعض من هم محسوبون على العلماء من المسلمين، وإنّما تعنون جيدا ما تقولون، وتتخيّرون اللفظ والتعبير، ولذلك تعتذرون لأهل الحق بانحيازكم "لمبادىء مستقرة في الضمير العالمي..."!

نحن نعلم أنّكم تنتسبون للإسلام، وتكتبون بروح ملؤها حبّ الخير للشعب العراقي، وأنّ حسن النية هو رائدكم، ولذلك نكتب لكم ونسدي ما علينا لكم من النصيحة التي تحتم علينا أن نقول لكم أنّ مشروع  دستوركم هذا،  يخالف في منطلقه وأساسه بديهيات الكتاب والسنة، لأنّ من بديهيات الكتاب والسنة أنّهما الأساس، وأنّ الفقه الإسلامي يخالف الفقه القانوني الديمقراطي، وأنّ العراقي وأيّ شخص في العالم الإسلامي، لا بل إنّ الإنسان - أيّ إنسان في الدنيا -  لن يفلح إلا بالإسلام لا بالديمقراطية التي تتيح للملحدين والشياطين العلو، وأنّ المسلم عليه أن ينحاز للحق المتمثل في القرآن الكريم والسنة المطهرة ونصوصهما الخالدة لا لمبادئ مستقرة في الضمير العالمي...، ومن بديهيات الكتاب والسنة أيضا أن الإسلام هو محور شخصيتنا لا أن نتّخذ من أفكار الغرب المادّة التي تُحشى بها عقولنا، وشخصيته المثال الذي يُحتذى.

أمّا المواد التي أوردتموها في هذا الدستور فهي مبنية على هذا الأساس وترجمة لهذا التصور، وحتى ما ورد فيها من إشارات للدين الإسلامي فهي في حقيقتها مخالفة لصريح الأدلّة من القرآن والسنة. ومن المواد التي قد يُشتبه في أنّها انتصار للشريعة الإسلامية، الفقرة "أ" من المادة 176 والتي نصّها "الشريعة الإسلامية مصدر للتشريع"، وقد أوردتم لفظ "مصدر" نكرة ومضافا إلى الشريعة بحرف اللام، ولم ترد العبارة مثلا "الشريعة الإسلامية مصدر التشريع الوحيد" على وجه التخصيص والإفراد  وهذا يعني أنّ الشريعة الإسلامية هي مصدر من المصادروليست المصدر الأوحد، فيمكن أن يؤخذ ببعض أحكامها إذا وافقت رغبة المشرّع ولاقت هوى في نفسه، ويمكن الضرب بها عرض الحائط و البحث في غيرها مما ليس له علاقة بها، وهذه هي روح الديمقراطية: خلط الحق بالباطل وتهميش الإسلام لا بل إقصاء للإسلام من الوجود. وقد أكدتم على ذلك وتخيرتم اللفظ والتعبير في الفقرة "ب" من نفس المادة حيث نصّت على أنّ "الشريعة الإسلامية هي المصدر الوحيد لقوانين الأحوال الشخصية للمسلمين..." فقد ورد لفظ "مصدر" معرّفا بالألف واللام وقد استثنيتم بلفظ "الوحيد" غيرها من المصادر بوضوح، وهذا يُوهم بأنّ الفقرة تُحسب للإسلام والحقيقة أنّها عليه، فهي تأكيد للفقرة السابقة، وتطبيق استثنائي لها وعبارة عن تقزيم لشريعة الله سبحانه وتعالى، وحصر لها في الأحوال الشخصية فقط، وهو ما يرضي المولعون بالديمقراطية، إذ هذا هو فصل الدين عن الحياة بعينه، وهذه هي روح الديمقراطية التي تعنونها أيضا.

حضرة الدكتور الفاضل: لسنا بصدد الرّد على ما ورد في مشروعكم هذا من مواد، أو بيان ما في النظام الديمقراطي الذي أخذتم به من فساد ومخالفة لشريعة الله سبحانه وتعالى، فهذا بحث منفصل، وله مقام آخر، ولكنّنا من موقع النصيحة وتذكير المؤمنين، ندعوكم لأن تذكروا ربّكم الذي أسبغ نعمه علينا ظاهرة وباطنة، وأن تعودوا فتلقوا نظرة جدية في كتاب الله العزيز وتتفكروا ما فيه، وتتدبروا آياته، ثم تنظروا ماذا يكون! فالمسلم يجب عليه أن يسعى لمرضاة الله لأنه يعلم انه سيكون مسؤول أمام الله يوم الحساب عن كل عمل يقوم به وكلمة يقولها أو يكتبها وإذا كان لابد من القيام بعمل ما بدافع فعل الخير فيجب أن يرضي الله ورسوله لا أن يرضي فلان وعلان أو يرضي فئة تعتبر أقلية لا تتجاوز نسبتها خمسة بالمائة أو بحجة أن يتلائم مع الواقع كمن يخلط الماء مع الملح ويقول للناس اشربوا هذا هو الدواء, أما الخوف من أن هذه الفئة أو تلك ستكون الغالبة والمؤثرة فهذا أمر بيد الله يمكن لمن يشاء وبالتأكيد يمكن للفئة الثابتة على الحق. هذا هو زمان الفتن والامتحان والمسلم الصادق هو الذي يتمسك بالحق ويثبت علية وإلا فالسكوت أولى وأفضل وهو أضعف الإيمان, لابد من وزن ما علمونا وتعلمناه في فترة الظلال الماضية وزن أعمالنا وعرضها على كتاب الله وسنة نبيه كي لا ينطبق قول الحق فينا: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً, الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعا,أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً) (الكهف:103-105), (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً) (النساء:115). يجب أن نخشى من الوقوع في الكفر والعياذ بالله. فالكفر يظنه البعض بأنه إنكار لوجود الله فقط,  بل أن من الكفر ما يقع في عدم طاعة الله أو طاعته في أمر وغض النظر في الأوامر الأخرى (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)(البقرة: من الآية85) والدليل الأوضح هو أن إبليس لم يكن ينكر وجود الله حين أمره الله عز وجل:(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) (البقرة:34), (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) (لأعراف:12) لكنه كفر لأنه لم يطع الله عندما أمره بالسجود لأدم.

والله ولي التوفيق

                                                          المخلص عبد الله عبد الرحمن