الأمّة
الإسلامية أمّة واحدة، والمؤمنون اخوة، قال تعالى)إِنَّ
هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةٌ(1، وقال)إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ
إِخْوَةٌ2(، ولذلك كانوا خير أمّة، وإنّما كانوا خير أمّة بخير
عقيدة و خير نظام، و كانوا أمّة واحدة بوحدة هذه العقيدة ووحدة هذا النظام، قال تعالى)كُنْتُمْ
خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ
عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ 3(.
والأمّة
الإسلامية تقوم على الإيمان باللّه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي هي
أوامر اللّه ونواهيه، أي على
العقيدة الإسلامية ونظام الإسلام الذي ينبثق عن هذه العقيدة، فالإيمان هو العقيدة،
وأوامر اللّه ونواهيه هي النظام الذي ينبثق عن هذه العقيدة، وهذه هي المقوّمات
الحقيقية للأمّة الإسلامية.
والإسلام
وحّد هذه الأمّة حينما وحّد المقوّمات التي تقوم عليها، أي وحّد عقيدتها ونظامها.
أمّا من
حيث العقيدة، فالإسلام قد ألزم هذه الأمّة عقيدة تمثل فكرة كليّة عن الكون
والإنسان والحياة تعطي الصورة الحقيقيّة عن العالم، وجعل هذه الفكرة واضحة البيان
جليّة المعنى بحيث لا جدال فيما تدل عليه، قال تعالى)وَمَنْ
يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً4(، و جوابا على سؤال جبريل عليه
السلام عن الإيمان، أجابهr بقوله)أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ
وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ)5 . وكما جعل هذه العقيدة قطعية الدلالة، جعل كذلك دليلها مقطوعا به، حيث أنّ
العقائد لا تؤخذ إلا عن يقين، وأنّ ما كان دليله ظنّيا لا يدخل في العقائد،
فالمسلم يحرم عليه أن يعتقد فيما لم يكن دليله جازما ويجب عليه أخذ عقيدته عن
يقين، قال تعالى)فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ6(.
فالإسلام حينما ألزم
الأمّة هذه الفكرة القطعية، فقد ألزمها الوحدة والاجتماع عليها وعدم التفرّق فيها،
قال تعالى)وَلا
تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ
الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ 7(.
هذا من
حيث العقيدة، أمّا من حيث النظام الذي ينبثق عن هذه العقيدة، فالإسلام قد وحّد
المصدر الذي يؤخذ منه هذا النظام، وبذلك وحّد النظرة إلى الحياة والغاية منها، كما
وحّد الطريقة التي يتحقق بها وجود هذه النظرة وهذه الغاية في واقع الحياة.
فالمصدر
الذي يؤخذ منه النظام قد بيّنه الإسلام بدون لبس ولا أدنى غموض، وهو الوحي، أي
الكتاب والسنّة، لأنّها وحدها هي الوحي، قال تعالى)وَمَا
يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى8(، وقال أيضا)وَما
آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا9(، وقالr )تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا
كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ(10، لذلك كان الكتاب
والسنّة وما أرشدا إليه من إجماع وقياس هي الأدلّة القطعية التي أجمعت واجتمعت
عليها الأمّة في جميع العصور.
والنظرة
إلى الحياة هي من الوضوح بحيث لا يكاد يخلو دليل من الإشارة إليها، فالإسلام يصور
الحياة على أنّها الحلال والحرام، فكل ما في هذه الحياة من أشياء وما يقع عليها من
أفعال لا يخلو من أن يكون حلالا أو حراما، فالحلال يفعل والحرام يترك، والمسلم
إنما يقدم على الفعل أو يحجم عنه بناء على ما يرى فيه من حلال أو حرام، فكان
الحلال والحرام هو وجهة نظر المسلم في الحياة ومقياس أعماله الذي يزن به كل أمر
قلّ أو جلّ.
والغاية
من الحياة هي أكثر وضوحا، فالحلال يفعل طلبا للثواب والحرام يترك درءا للعقاب،
والذي يباشر هذا الثواب والعقاب هو اللّه تعالى، يثيب من رضي عنه ويعاقب من غضب
عليه، لذلك كان نوال رضوان اللّه هو الغاية الحقيقية من الحياة، بل هو غاية
الغايات وسعادة الحياة، قال تعالى) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ
تُجْزَى، إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى 11(.
والطريقة
التي تجعل هذه النظرة وهذه الغاية موجودة في واقع الحياة، هي تقوى اللّه في الفرد
فيما يخص الفرد، وسلطان الدولة في المجتمع فيما يخص الجماعة، أي السلطان الروحي
والسلطان السياسي معا. والإسلام قد وحّد
النظرة إلى هذه الأشياء فبيّن بدون
لبس أن التقوى هي أساس التفاضل بين الناس مهما كانت أجناسهم وألوانهم، قال تعالى)إِنَّ
أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ12(، و قالr )لاَ فَضْلَ لِعَرَبِىٍّ عَلَى أَعْجَمِىٍّ وَلاَ لِعَجَمِىٍّ عَلَى
عَرَبِىٍّ وَلاَ لأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ وَلاَ أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلاَّ بِالتَّقْوَى 13(، ومتى وجدت التقوى في النفوس وجد
السلطان الروحي وهو أقوى سلطان يجعل الانضباط في سلوك الفرد المسلم أمرا طبيعيا و
يجعل التقيد بالحكم الشرعي سجية لديه، قال تعالى) وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا
مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ14(.
هذا من
جهة السلطان الروحي، أما السلطان السياسي- أي الحكم- فقد جعله الإسلام ملازما
للقرآن، وهذا في منتهى الوضوح ويتجلى في:
1. أنّ القرآن إنّما أنزل للحكم، قال تعالى)إِنَّا
أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا
أَرَاكَ اللَّهُ15(، وقال )وَأَنْزَلْنَا
إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ
وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ16(، وقد حددت آية الأمراء بوضوح واجب وحق كل من الراعي
والرعية، قال تعالى)إِنَّ
اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا
حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا
يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ
فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ
كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً17(، فولاة الأمور مأمورون بأداء الأمانات والحكم
بالعدل، في حين أن الأمّة مأمورة بالطاعة في غير معصية، فإن وقع خلاف - أيُّ خلاف
- فالكل مأمور بالرجوع إلى كتاب اللّه وسنّة رسوله r.
2. نفى الإيمان عمّن يرفض الحكم بالقرآن و التّحاكم إليه،
قال تعالى)أَلَمْ تَرَ
إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ
مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا
أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ18(، وقال)أَفَحُكْمَ
الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ(19، وقال أيضا)فَلا
وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا
يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً.20(
3. التأكيد على أن
حياة المسلمين لا تستقيم إلا في ظل إمام عادل أو خليفة راشد - وخليفة واحد ليس غير
- وأنّ الأمّة يجب أن تجتمع كلمتها
على هذا الخليفة. فمن ناحية أوجب على الأمّة عدم خُلوّ زمانها من خليفة يطبق شرع
اللّه، قالr )كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأَنْبِيَاءُ ، كُلَّمَا هَلَكَ
نَبِىٌّ خَلَفَهُ نَبِىٌّ ، وَإِنَّهُ لاَ نَبِىَّ بَعْدِى ، وَسَيَكُونُ
خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ . قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا قَالَ فُوا بِبَيْعَةِ
الأَوَّلِ فَالأَوَّلِ ، أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ ، فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ
عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ21(، وقال )مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِىَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ
حُجَّةَ لَهُ وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِى عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً22(، والقاعدة الشرعية أنّ "ما لا يتمّ الواجب
إلاّ به فهو واجب"، ومن ناحية أخرى حرّم تعدّد الدولة الإسلامية كما حرّم
تجزئتها، ورتب على ذلك أشد العقاب في الدنيا والآخرة، قال تعالى)وَإِنْ
طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ
بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ
إِلَى أَمْرِ اللَّهِ23(، فأمر بقتال الفئة الباغية إن لم
تقبل الصلح والخضوع لأمر اللّه، و قالr )إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الآخَرَ مِنْهُمَا24(، وقال أيضا)مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ
يَشُقَّ عَصَاكُمْ أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ(25، وفي رواية أخـــــرى )فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ وَهْىَ جَمِيعٌ
فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ26(. هذا في ما يخص عقاب الدنيا، أمّا عقاب الآخرة فإنّ
الذي يُقتل من الفئة الباغية لا شك أنّه في النار، كما أنّ من يفارق الجماعة لا شك
يحلّ عليه غضب اللّه، قالr )مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِىَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ
حُجَّةَ لَهُ وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِى عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً27(، وصحّ عنه r أنّ )مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ ، إِلاَّ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً(28، وفي رواية أخـــــرى )مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِسْلاَمِ
مِنْ عُنُقِهِ29(.
4. الثناء على
الإمام العادل ورفعه إلى أعلى المنازل، فقد روي عنه r )إِنَّ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَدْنَاهُمْ
مِنْهُ مَجْلِسًا إِمَامٌ عَادِل)30، و)يَوْمٌ مِنْ إِمَامٍ عَدْلٍ أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ سِتِّينَ سَنَةٍ)31، وقد عدّه r أوّل السبعة الذين
يظلهم اللّه بظله يوم لا ظل إلا ظله، ومن الثلاثة الذين ليس بين دعوتهم وبين اللّه
حجاب، واعتبره درعا يحمي الأمّة حيث قالr )الإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ32(.
5. إيجاب النّصح
على الأمّة للخليفة واسترخاص الأنفس في سبيل ذلك، قالr ) الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قُلْنَا لِمَنْ قَالَ : لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ
وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ)33، وقال)أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ أَوْ
أَمِيرٍ جَائِرٍ)34، و روي عنه r أنّ سيّد الشّهداء حمزة ابن عبد المطّلب ورجل قام إلى إمام جائر فنصحه فقتله.
ومما
لا شك فيه أن الرّسولr قد مارس سلطات سياسية لا تصدر إلا عن حاكم وقائد
دولة، كفصل الخصومات بين الناس في جميع الشؤون، وإقامة الحدود، وتعيين الولاة
والقضاة، وتعبئة وقيادة الجيوش، وعقد المعاهدات، وغير ذلك من أمور السياسة
الداخلية والخارجية على السواء، مما يلزم المسلمين جميعا بالدولة الإسلامية اتباعا
للرّسولr وتأسيا به، وهو فرض
عليهم، قال تعالى)وَمَا
آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)35، وقال أيضا)وَمَا
كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ
يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ(36.
والأمّة
الإسلامية لم تختلف قط في وجوب الخلافة ووحدتها، وإنما كان الخلاف في شخص الخليفة،
أي فيمن يكون خليفة، ورأي العلماء أنّ ولاية أمر الناس - أي الخلافة - من أعظم
فرائض هذا الدين، بل هي أُمُّ الفرائض،إذ لا قيام للدين إلا بها، وهذا معنى قولهم"ما
لا يتمّ الواجب إلاّ به فهو واجب"، فحفظ الدين وتنظيم الحياة على أساسه
لا يتم إلا بالخلافة، وقد تواتر إجماع الصحابة رضوان اللّه عليهم على امتناع خُلوّ
الزّمان من إمام وتركوا له أهم الأشياء وهو دفن رسول اللّهr، فالإجماع منعقد على أنّه لا يجوز أن يكون للمسلمين
في وقت واحد في جميع الدنيا إمامان لا متفقان ولا مفترقان ولا في مكانين ولا في
مكان واحد.
هذا هو
رأي العلماء قاطبة، فالأمّة لا يحلّ لها أن تعيش بدون خليفة كما لا يحلّ لها أن
تعيش بأكثر من خليفة.
هذه هي
المقومات الحقيقية التي تقوم عليها وحدة الأمّة الإسلامية، وهي وحدة العقيدة ووحدة
النظام والعيش بهذه العقيدة وهذا النظام في واقع الحياة، وهي واضحة، بيّنة و جليّة
لكل مسلم يقرأ القرآن الكريم والحديث الشريف ويتدبر ذلك.
ولا
يقال هنا: صحيح أنّ عقيدة الأمّة واحدة، وأنّ نظرتها للحياة والغاية منها واحدة
أيضا، وأنّ الأمّة لا تختلف في مصدر نظامها ولا في وجوب تطبيق هذا النظام، ولكن
اختلاف المذاهب الفقهية وتعدّدها دليل واقعي على اختلاف النظام و بالتالي اختلاف
الأمّة وتجزئتها هو أمر واقع ما لم تلتزم مذهبا واحدا تسير عليه، لا يقال ذلك لأنّ
هذا فوق كونه وهما، هو خلاف الواقع وخلاف الحكم الشرعي.
أما كونه خلاف الواقع فمن وجهين:
· أولا: إنّ اللّه تعالى خلق الإنسان و قدّر فيه طاقة فكرية ألا وهي العقل،
وجعل هذه الطاقة مناط التكليف وجعلها تتفاوت وتختلف في الحكم على الواقع من شخص
لآخر بل في الشخص نفسه من حين لحين، وهذا يرجع إلى طبيعة العقل، إذ أنّ حركة الفكر
لدى الإنسان هي عبارة عن نقل الإحساس بالواقع إلى الدماغ وتفسير ذلك بربط هذا
الإحساس بالمعلومات السابقة لديه، و التفاوت والاختلاف بين الناس في الحكم على
الواقع آت من جهة الإحساس بالواقع، ومن جهة المعلومات السابقة، كما هو آت من جهة
الربط بين الإحساس بالواقع والمعلومات السابقة، وهذه الطبيعة في التفكير لدى
الإنسان تجعل من المستحيل أن يتوصل كل الذين ينظرون في الأدلة الشرعية من حيث
الفهم والاستنباط والاستدلال إلى رأي واحد في كل مسألة، بل يستحيل على الشخص
الواحد - مهما كان عبقريا - أن يظل طول حياته على نفس الرأي في كل مسألة لأنّ
دائرة الفكر عنده تنمو وتتسع مع الزمن فيتراجع عن مسائل ويبدع في مسائل أخرى.
· ثانيا: إنّ ألفاظ و أسلوب القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف عربية، فكان
من المستحيل فهم معانيهما بغير ما تدل عليه معاني ألفاظ اللغة العربية، وألفاظ
اللغة العربية تحتمل التأويل، لأنّ اللفظ يمكن الاختلاف في مدلوله من جهة كونه
حقيقة أو مجازا، أو من جهة الإعراب أو الاشتراك في المعاني، كما يمكن الاختلاف في
مدلوله أيضا من جهة كونه مجملا يحتاج إلى تفصيل، أو عاما يحتاج إلى تخصيص، أو
مطلقا يحتاج إلى تقييد، وغير ذلك. وهذه
الحقيقة التي عليها اللغة العربية تجعل من الطبيعي أن تختلف الأفهام و تتنوع عند
التفكير بالمسائل الشرعية.
هذا من حيث خلاف الواقع ، أما من حيث خلاف الحكم الشرعي فمن وجهين أيضا:
· أولا: إنّ الكتاب والسنّة وصلتنا عن طريق الرواية، ولا خلاف في أنّ القرآن
الكريم كله متواتر فهو قطعي الثبوت ولكن السنّة المطهّرة منها ما هو متواتر ومنها
ما هو دون ذلك، والجانب غير المتواتر من السنّة هو محلّ للخلاف من حيث الاستدلال
به والإجماع على ذلك متعذر لأنّ الكلّ ملزم بالاستدلال بما صحّ عنده فقط، وينتج عن
ذلك طبيعيا الاختلاف في الرأي، وهذه مسألة شرعية لأنّه ثبت عن رسول اللّه r أنّه أمر الصحابة رضوان اللّه عليهم أن لا يكتبوا عنه شيئا غير القرآن
الكريم، هذا ما جعل السنّة المطهّرة لم تكتب بين يدي رسول اللّه r فوصلنا جانبا منها غير متواتر، وهي لعمري إرادة اللّه سبحانه وتعالى الذي
أراد إعجاز البشرية جمعاء بحفظ القرآن من أي تبديل أو تحريف، كما ثبت أيضا أنّه
r أمر الصحابة رضوان
اللّه عليهم - والأمر ينسحب على المسلمين من بعدهم - أن يتثبتوا في أخذ الحديث
وهذا يعني أنّه ليس كل ما روي من الأحاديث صحيحا، والمسلم ملزم بالتّحري والتقيد
بما صحّ عنده منه.
· ثانيا: إنّ القرآن الكريم وما تواتر من السنّة المطهّرة وإن كان قطعي
الثبوت، فهو ليس كله قطعي الدلالة، بل هو في أغلبه خطوط عريضة و قواعد عامة يمكن
أن تنزّل على وقائع عديدة وتستوعب أحداثا جديدة بالاجتهاد عن طريق القياس أو تحقيق
المناط. وهذا مجال طبيعي للاختلاف في الرأي، بل هو أوسع أبوابه، وهو أمر شرعي
لأنّه ثبت عن رسول اللّهr أنّه علّم الصحابة رضوان اللّه عليهم أصول الاجتهاد وأقرّهم على اجتهاداتهم،
بل و أثنى على ذلك، لأنّ الاجتهاد بالشرع هو الرّوح التي تجعل الإسلام حيّا بحيث
يصلح لكل زمان ومكان، ولم يتخلف المسلمون ولم يصبهم الانحطاط إلا حين أهملوا هذا
الجانب من شريعتهم حتى نشأ بينهم"القفّال"، مع أنّه لا استمرار للحياة
بالإسلام بغير الاجتهاد، وأنّ إهمال هذا الجانب يؤدّي حتما إلى الجمود، وهو مطمع
كل من يحمل حقدا دفينا لهذا الدين وأهله.
هذا هو واقع الاختلاف، وهذا ما يدل عليه من
الواقع ومن الشرع، وهو أمر واقع بين الناس لا محالة، والقول بجمع الناس على رأي
واحد في كل مسألة هو دعوة إلى المستحيل، كما أنّ القول بجواز الاختلاف في كل شئ هو
دعوة إلى الفوضى وعدم النظام.
والإسلام دين لا ينفي الواقع ولا يقرّه على ما
هو عليه كما لا يدعو إلى المستحيل، وإنّما يعالج الواقع بأحكام قابلة للتطبيق الفوري
وتؤدي إلى توازن الفرد والجماعة معا. فهو حين يجيز الاختلاف في الرأي، لا يترك
الباب مفتوحا مائة وثمانين درجة بحيث ينعق كل ناعق ويرتع من يريد، بل يجعل لهذا
الاختلاف حدودا لا يتعداها، وقواعد يقوم عليها وينضبط بها. فلا يجوز الاختلاف بحال
من الأحوال فيما هو قطعي الثبوت قطعي الدلالة، سواء كان من العقائد أو من الأحكام
الشرعية، لأنّه أمر يقيني جازم، ولأن ّ الأمور القطعية لا خلاف فيها أصولا كانت أم
فروعا، و إنما الاختلاف جائز فيما دون ذلك، لأنّه ظنّي ويحتمل التأويل على أكثر من
وجه، ولا يكون ذلك إلا في الفروع، لأنّ الأصول كلها قطعية ولا يجوز بحال أن تكون
ظنّية، أي لا يجوز بحال أن يدخلها الاختلاف.
واحتمال التأويل على أكثر من وجه لا يعني التأويل
علي أيّ وجه وبأيّ طريقة، وإنما التأويل الذي يجيزه الإسلام هو التأويل على الأوجه
التي يحتملها النص من حيث دلالته على المعاني وحسب القواعد والطريقة التي قرّرها
الشرع في الفهم والاستنباط.
واختلاف المذاهب الإسلامية يندرج في هذا الإطار،
فهو اختلاف في الفروع وتأويل للنّص في حدود ما يجيزه الشرع. وآراء هذه المذاهب
تعتبر صوابا تحتمل الخطأ، واتباع رأي منها دون غيره لا يكون على سبيل الجزم من حيث
الصواب والخطأ ، بل على سبيل الترجيح و غلبة الظن، والعبرة في اتباع الحكم والتقيد
به هو طاعة اللّهI، أي التقيد بهذا الحكم دون غيره على اعتبار أنّه غلب
على الظّن أنّه حكم اللّه تعالى في المسألة المعينة، بغضّ النظر عمّن قاله، وهو
حكم يتّبع ما دام جانب الصواب فيه مترجّح، فإذا ثبت خطؤه، صار مرجوحا، فيترك و
يسار إلى غيره .
وأئمة المذاهب كلهم على مذهب واحد، هو الكتاب
والسنّة، ولم يدّع واحد منهم لنفسه غير القول "إذا صحّ الحديث فذاك مذهبي"،
أو "كلّ قول يؤخذ ويردّ إلا قول محمّدr"، ولسان حالهم جميعا "رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل
الصواب"، ولم يؤثر عنهم غير الثناء بعضهم على بعض، والتماس الواحد منهم
الأعذار لغيره، ووصف صغارهم لكبارهم بالنجوم والتواضع لديهم، وغير ذلك مما ينير
العقول ويؤلّف القلوب.
ثم نشأ من بعدهم بعض العلماء وُلِعوا بالتقليد
حتى صوّروا للناس أنّ الاجتهاد غاية لا تُدرك بعد هؤلاء الأئمة، مع قدرة الكثير
منهم وأهليّته للاجتهاد بالشرع، فضيّقوا على أنفسهم وضيّقوا على الناس دينهم،
وخرجوا من سعة الإسلام إلى ضيق المذاهب، حتى صار المذهب هو المصدر الذي تُستقى منه
الأدلة، فلا يجوز الخروج عنه بحال، في حين أنّ الكتاب والسنّة وحدها هي المصدر
والمعين الذي لا ينضب، وهو يسع المذاهب كلها، ويجب الدّوران معه حيث دار.
صحيح أنّ هؤلاء العلماء كانوا يتورّعون عن القول
في القرآن برأيهم، ولكنّه ورع في غير محلّه، وضرّه أكثر من نفعه، ولقد أورث هذا
الورع أجيالا من العلماء انغلقت كل طائفة منهم على نفسها في مذهب، وراحوا يكيلون
لبعضهم السّباب والشّتائم التي لا تزال بقاياها إلى اليوم.
لقد أصيبت الأمّة عبر تاريخها الطويل بأمراض
كثيرة هدّدت كيانها ووجودها، ومن أشدّ هذه الأمراض فتكا بوحدتها، التعصب المذهبي، أو
بعبارة أخرى، النّظرة العموديّة للفقه والفقهاء.
و النّظرة العموديّة للفقه والفقهاء تقضي بتصنيف
الفقهاء على خطّ عمودي بحيث يحتلّ أحدهم النقطة العليا في هذا الخطّ، فيكون هو
أفضلهم، ويكون فقهه هو الفقه الصحيح، بينما يحتلّ غيره مراتب أدنى وأقلّ، ويكون فقههم
- تبعا لذلك - فقه خاطئ. هذا في حال الرّخاء، أمّا عندما يشتدّ هذا الدّاء العضال
و تطفو نعرة المذهبيّة الضيّقة والمقيتة على السّطح، يصبح هذا الفقه - أي فقه
الغير - فقه كفر و ضلالات.
هذه النظرة العموديّة هي التي تفرّق بين المذاهب،
وتجعل كلّ أصحاب مذهب ينظرون لفقههم نظرة إجلال وإكبار، بينما ينظرون لغيرهم من
المذاهب الأخرى نظرة استعلاء وترفّع، نظرة من هو فرح بما عنده مطمئن به، لا يضره
من ضلّ إذا اهتدى، إذ هذا شأن من يتصوّر أنّه وحده يحوزالحقيقة، وهو وحده على
الحقّ المبين، في حين أنّ غيره على باطل وضلال ولا كلام.
ومن العجب العجاب، أن يصيب هذا الدّاء الفتّاك
من يحمل عقيدة ألّفت بين الأوس والخزرج، لا! بل يصيب ثلّة من علمائهم، أو من
يُفترض فيهم أن يكونوا من العلماء، ويجد في هؤلاء العلماء تربة خصبة يتحصّن فيها وينمو
ليكون أشدّ فتكا بوحدة هذه الأمّة حينما تنتقل عدواه إلى العامّة والخاصّة.
والعلاج الوحيد لهذا الدّاء الفتّاك، هو النّظرة الأفقيّة للفقه والفقهاء،
التي أرساها الشّرع من أوّل يوم، وجسّدها الصّحابة رضوان اللّه عليهم ومن سار على
نهجهم واقعا ملموسا وحقيقة ثابتة في
حياة هذه الأمّة.
والنّظرة الأفقيّة للفقه والفقهاء، تعني أن يوضع
الفقهاء على خطّ أفقي، فلا يفضّل واحد منهم على الآخر، إذ كل منهم مجتهد، وكل منهم
في ما أصاب مأجور ومشكور، وفي ما أخطأ مأجور ومعذور.
والصحابة
الكرام، رضوان اللّه عليهم، هم بعد رسول اللّهr أوّل الفقهاء، بل سادة الفقهاء، وقد قال فيهم r )أصحابي كالنّجوم، بأيّهم اقتديتم، اهتديتم)37، وكذلك الفقهاء من بعدهم، هم كالنّجوم، بأيّهم اقتدينا، اهتدينا، ما داموا
يتمسّكون بالشرع، وينضبطون به، ويصدعون بالحقّ ولا يخافون في اللّه لومة لائم و
يسترخصون كلّ شيء في سبيل ذلك.
هذه
النّظرة الأفقيّة هي الّتي تجمع ولا تفرّق، وهي الّتي تجعل ولاء المسلم للّه
ورسوله دون سواهما، وتجعل بذلك اختلاف الفقهاء رحمة بالأمّة ويسرا بها، وتضع هذا
الاختلاف في إطاره الصّحيح، بحيث يؤدّي دوره الإيجابي كظاهرة صحيّة أنتجت وتنتج
دائما ثروة فكرية وتشريعيّة هي محلّ فخر واعتزاز لكلّ مسلم ودافع مستمرّ للإبداع
والرّقيّ.
عبد الله الصابر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1. الأنبياء
92.
2. الحجرات
15.
3. آل
عمران 110.
4. النساء
136.
5. مسلم
- كتاب الإيمان – حديث102، سنن أبي داود – كتاب السنة – حديث4697.
6. الذاريات
23.
7. آل
عمران 105.
8. النجم
3 – 4.
9. الحشر
7.
10. الموطأ - كتاب القدر-
حديث 1628.
11. الأعلى 19 – 20.
12. الحجرات 13.
13. مسند أحمد - حديث
24204 -
14. الحج 32.
15. النساء 105.
16. المائدة 48.
17. النساء 58 – 59.
18. النساء 60.
19. المائدة 50.
20. النساء 65.
21. البخاري - أحاديث
الأنبياء - حديث 3455، مسلم - كتاب الإمارة - حديث4879.
22. مسلم - كتاب الإمارة –
حديث4899.
23. الحجرات
9.
24. مسلم - كتاب الإمارة -
حديث4905، سنن البيهقي – كتاب قتال أهل البغي - حديث 16988.
25. مسلم
- كتاب الإمارة - حديث4904، سنن البيهقي – كتاب قتال أهل البغي - حديث 17136.
26. مسلم
- كتاب الإمارة - حديث4902.
27. مسلم - كتاب الإمارة -
حديث4899، سنن البيهقي – كتاب قتال أهل البغي - حديث 17055.
28. البخاري - كتاب الفتن
- حديث 7054، مسلم - كتاب الإمارة - حديث4896.
29. سنن أبي داوود – كتاب
السلنة – حديث 4760، سنن البيهقي – كتاب قتال أهل البغي - حديث 17057.
30. سنن الترمذي – كتاب
الأحكام – حديث1379، مسند أحمد – سنن أبي سعيد الخدري- حديث11475.
31. سنن البيهقي – كتاب
قتال أهل البغي - حديث 17092.
32. البخاري – كتاب الجهاد
- حديث 2957، مسلم - كتاب الإمارة - حديث4878.
33. مسلم - كتاب الإيمان –
حديث205.
34. سنن أبي داود – كتاب
الملاحم – حديث4346، سنن ابن ماجة – كتاب الفتن – حديث4147.
35. الحشر 7.
36. الأحزاب 36.
37. حديث مشهور.